أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

575

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أولا ذلك المعنى المدلول عليه بالشرط الأول وجوابه ، فقوله ثانيا « وهو متعلق بما تعلّق به عليكم » تناقض ، اللهم إلا أن يقال : قد يكون سقطت من الكاتب ألف ، وكان الأصل « أو هو متعلق » فيصحّ ، إلا أنه إذا كان كذلك تمحّضت « إذا » للظرفية ، ولم تكن للشرب ، وكلام هذا القائل يشعر بأنها شرطية في الوجهين على تقدير الاعتذار عنه . وقرأ الجمهور : « آتيتم » بالمدّ هنا وفي الروم : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً « 1 » ، وقصرهما ابن كثير . وروي عن عاصم « أوتيتم » مبنيا للمفعول ، أي : ما أقدركم اللّه عليه . فأمّا قراءة الجمهور فواضحة لأنّ آتى بمعنى أعطى فهي تتعدّى لاثنين أحدهما ضمير يعود على « ما » الموصولة ، والآخر ضمير يعود على المراضع ، والتقدير : ما آتيتموهنّ إياه ، ف « هنّ » هو المفعول الأول ، لأنه فاعل في المعنى ، والعائد هو الثاني ، لأنه هو المفعول في المعنى . والكلام على حذف هذا الضمير وهو منفصل قد تقدّم ما عليه من الإشكال والجواب عند قوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 2 » فليلتفت إليه . وأمّا قراءة القصر فمعناها جئتم وفعلتم كقول زهير : 998 - وما كان من خير أتوه فإنّما * توارثه آباء آبائهم قبل « 3 » أي : فعلوه ، والمعنى إذا سلّمتم ما جئتم وفعلتم ، قال أبو علي : « تقدير : ما أتيتم نقده أو إعطاءه ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو عائد الموصول ، فصار : آتيتموه أي جئتموه ، ثم حذف عائد الموصول » وأجاز أبو البقاء أن يكون التقدير : ما جئتم به فحذف ، يعني حذف على التدريج ، بأنّ حذف حرف الجر أولا فاتصل الضمير منصوبا بفعل فحذف . و « ما » فيها وجهان : أظهرهما : أنها بمعنى الذي ، وأجاز أبو عليّ فيها أن تكون موصولة حرفية ، ولكن ذكر ذلك مع قراءة القصر خاصة ، والتقدير : إذا سلّمتم الإتيان ، وحينئذ يستغنى عن ذلك الضمير المحذوف . ولا يختصّ ذلك بقراءة القصر ، بل يجوز أن تكون مصدرية مع المدّ أيضا على أن المصدر واقع موقع المفعول ، تقديره : إذا سلّمتم الإعطاء ، أي : المعطى . والظاهر في « ما » أن يكون المراد بها الأجرة التي تعطاها المرضع ، والخطاب على هذا في قوله : « سلّمتم » و « آتيتم » للآباء خاصة ، وأجازوا أن يكون المراد بها الأولاد ، قاله قتادة والزهري . وفيه نظر من حيث وقوعها على العقلاء ، وعلى هذا فالخطاب في « سلّمتم » للآباء والأمهات . وقرأ عاصم في رواية شيبان « 4 » : « أوتيتم » على البناء للمجهول ومعناه : ما آتاكم اللّه وأقدركم عليه من الأجرة ، وهو في معنى قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ « 5 » . قوله : بِالْمَعْرُوفِ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعلّق ب « سلّمتم » أي : بالقول الجميل .

--> ( 1 ) سورة الروم ، آية ( 39 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 3 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 115 ) ، القرطبي ( 3 / 173 ) . ( 4 ) انظر غاية النهاية ( 1 / 329 ) . ( 5 ) سورة الحديد ، آية ( 7 ) .